لا تدع الاسم يخدعك فالثقب الأسود ليس فضاءً فارغًا بالمرة، بل إنها تتكون من كميات كبيرة من المادة المتكدّسة في حيز صغير للغاية – تخيّلوا نجمًا أضخم بعشر مرات من حجم الشمس، مضغوط في مجال يبلغ قطره تقريبًا مدينة نيويورك، الأمر الذي يؤدي إلى خلق حقل من حقول الجاذبية الهائلة التي لا يتمكن أي شيء، ولا حتى الضوء، الإفلات منها. وقامت أجهزة ناسا خلال السنوات الأخيرة برسم صورة جديدة لهذه الأجسام الغريبة التي تشكّل في نظر العديد من الناس أكثر الأشياء سحرًا في الفضاء.

كانت فكرة وجود جسم في الفضاء بهذه الضخامة والكثافة لدرجة أن الضوء لا يستطيع الفرار منه موجودة ومتداولة منذ قرون. وكانت نظرية النسبية العامة لآينشتاين، وهي الأكثر شهرة، قد تنبأت بالثقوب السوداء، فأوضحت أنه عندما يموت نجمٌ ضخم، فإنه يخلّف وراءه نواة شديدة الصغر ذات كثافة عالية. وأظهرت المعادلات، أنه إذا كانت كتلة هذه النواة تزيد عن ثلاثة أضعاف كتلة الشمس، فإن قوة الجاذبية تغلب على جميع القوى وتنتج ثقبًا أسود.

ولا يستطيع العلماء رصد الثقوب السوداء بشكل مباشر باستخدام التلسكوبات التي تكتشف الأشعة السينية أو الضوء أو أي أشكال أخرى من الإشعاع الكهرومغناطيسي. ومع ذلك، يمكننا الاستدلال على وجود الثقوب السوداء ودراستها من خلال اكتشاف تأثيرها على مواد أخرى قريبة منها. فعلى سبيل المثال، إذا مرّ الثقب الأسود عبر سحابة من المادة النجمية، فسوف يجذب المادة إلى الداخل في عملية تُعرف باسم التراكم.

ويمكن أن تحدث عملية مماثلة إذا مرّ نجم عادي بالقرب من ثقب أسود؛ ففي هذه الحالة، يمكن للثقب الأسود أن يمزّق النجم بينما يسحبه نحو نفسه. وعندما تتسارع المادة المنجذبة وتسخن، فإنها تبدأ بإصدار أشعة سينيّة تشعّ في الفضاء. وتقدّم الاكتشافات الحديثة بعض الأدلة المثيرة التي تؤكد أن الثقوب السوداء تؤثر بشكل كبير على المناطق المحيطة بها ـ حيث تنبعث منها انفجارات قوية لأشعة جاما، وتلتهم النجوم القريبة، وتحفّز نمو نجوم جديدة في بعض المناطق في حين توقف حياتها في مناطق أخرى.

إعلان

نهاية حياة نجمة يمثل بداية لثقب أسود

تتشكل معظم الثقوب السوداء من بقايا نجم كبير يموت في انفجار مستعرّ أعظم أو(سوبرنوفا)، في حين تصبح النجوم الأصغر حجمًا نجومًا نيوترونية كثيفة، وهي ليست ضخمة بما يكفي لاحتجاز الضوء. فإن كانت الكتلة الكلّية للنجم كبيرة بما يكفي (حوالي ثلاثة أضعاف كتلة الشمس)، فيمكن الإثبات نظريًا أنه لا توجد قوة يمكنها منع النجم من الانهيار تحت تأثير الجاذبية. ومع ذلك، عندما ينهار النجم يحدث شيء غريب، أي مع اقتراب سطح النجم من سطح وهمي يسمى “أفق الحدث“، يتباطأ الوقت على النجم مقارنةً بالوقت الذي يعيشه المراقبون من بعيد. وعندما يصل السطح إلى “أفق الحدث”، يتوقف الوقت، ولن يتمكّن النجم من الانهيار بعد حينئذٍ- فقد غدا كائنًا منهارًا في حالة تجمد.

حتى الثقوب السوداء الأكبر حجمًا يمكن أن تنتج عن الاصطدامات النجمية. فبعد فترة وجيزة من إطلاق تلسكوب سويفت التابع لوكالة ناسا الفضائية في ديسمبر عام 2004، لوحظ كمٌّ من ومضات الضوء السريعة المعروفة باسم انفجارات أشعة جاما. وفي وقت لاحق، جمع تلسكوب شاندرا وتلسكوب هابل الفضائي التابع لناسا بياناتٍ من “الشفق” الخاص للحدث، وقد قادت جميع الملاحظات المأخوذة علماء الفلك إلى استنتاج أن الانفجارات القوية يمكن أن تحدث عندما يصطدم ثقب أسود ونجم نيوتروني معًا، مما ينتِج ثقبًا أسود آخر.

الأطفال والعمالقة

على الرغم من أن عملية التكوين الأساسية لهذه الثقوب مفهومة، إلا أن هنالك لغزٌ مستمرّ في علم الثقوب السوداء يتعلق بكونها توجد على مقياسين مختلفين اختلافًا جذريًا في الحجم. فمن جهة، هناك عدد لا يحصى من الثقوب السوداء التي تمثل بقايا نجوم ضخمة، حيث تتناثر هذه الثقوب “ذات الكتلة النجمية” في جميع أنحاء الكون، وتتراوح كتلتها بين 10 إلى 24 ضعف كتلة الشمس، ويكتشفها علماء الفلك عندما يقترب نجم آخر بما يكفي لتصطدم جاذبية الثقب الأسود ببعض المواد المحيطة به، مما يؤدي إلى إطلاق الأشعة السينية أثناء هذه العملية. إلا أن الغالبية من الثقوب السوداء النجمية تعيش حياة منعزلة ومن المستحيل اكتشافها. وبناءً على عدد النجوم الكبيرة الكافية لإنتاج مثل هذه الثقوب السوداء، يقدّر العلماء أن هناك ما يصل إلى ما بين عشرة ملايين إلى مليار من الثقوب السوداء في مجرّة درب التبانة وحدها.

وعلى الجانب الآخر من استمرارية الحجم، هناك عمالقة تعرف باسم الثقوب السوداء “فائقة الكتلة“، والتي تبلغ ملايين، إن لم يكن بلايين، أضعاف كتلة الشمس. ويعتقد علماء الفلك أن الثقوب السوداء “فائقة الكتلة” تمثل مركز كل المجرّات الكبيرة تقريبًا، بما في ذلك مجرّتنا درب التبانة، إذ يمكن لعلماء الفلك اكتشافها من خلال مراقبة تأثيرها على النجوم والغازات القريبة منها.

 

لطالما اعتقد علماء الفلك على مرّ التاريخ أنه لا توجد ثقوب سوداء متوسطة الحجم. ومع ذلك، فإن الأدلة الحديثة التي تم الحصول عليها من تلسكوبات تشاندرا، وXMM Newton وهابل تثبت خلاف ذلك، فهي تدعم أدلّة وجود ثقوب سوداء متوسطة الحجم. تتضمن إحدى الفرضيات الآلية المحتملة لتشكيل الثقوب السوداء فائقة الكتلة، تفاعلات متسلسلة من تصادمات النجوم في مجموعات نجمية مضغوطة، ينتج عنها تراكم نجوم ضخمة للغاية، والتي تنهار بعد ذلك لتشكّل ثقوبًا سوداء متوسطة الكتلة. ثم تغرق المجموعات النجمية في مركز المجرّة، حيث تندمج الثقوب السوداء ذات الكتلة المتوسطة لتشكّل ثقبًا أسود فائق الكتلة.

الثقوب السوداء تزين الكون

ظهرت مؤخراً صور جديدة مثيرة تظهر كيف تنتج الثقوب السوداء الباعثة للبلازما الضوء بشكل مذهل على طول ملايين السنين الضوئية (تريليونات الكيلومترات)، وقد قال الباحثون إن الصور أُنتِجت بواسطة محاكاة حاسوبية يمكن أن تساعد في حل اللغز القديم حول كيفية تَشَكُّل حزم الإشعاع.

فـعلى الرغم من اسمها لا تكون الثقوب السوداء دائمًا سوداء اللون، وبما أن الثقب الأسود يجذب الأجسام والغاز وحتى الغبار الكوني فإن هذا يخلق الفوضى حول عملاق النسيج الكوني هذا، ويمكن للاحتكاك تسخين المواد على حواف الثقب إلى درجات حرارة شديدة، تنتج هذه العملية أشعة تشبه المنارات ناتجة عن حزم الجسيمات المشحونة التي تنتقل إلى الخارج بسرعة قريبة من سرعة الضوء، وهذه الإشعاعات يمكن أن تكون أكثر إشراقاً من مجرة بأكملها !

وقال ألكسندر تشيكوفسكوي -الفيزيائي الفلكي في جامعة نورث وسترن- : “إنها بمثابة أشعة ليزر تخترق الكون وتتيح لنا رؤية الثقوب السوداء والتي قد تكون إضائتها خافتة بحيث لا يمكن اكتشافها”.

لكن الآليات المعقدة وراء هذه الحزم لا تزال غير مفهومة، إن الفكرة المحتملة عن المشكلة تأتي من حقيقة أن المادة حول الثقب الأسود تتحول إلى بلازما “وهي حالة للمادة تكون فيها ممغنطة وذات درجات حرارة مرتفعة و متباعدة الجزيئات”.

ولطالما اشتبه الفيزيائيون في أن الحقول المغناطيسية الملتوية تتفاعل بطريقة ما مع النسيج الزمكاني حول الثقب الأسود بشكل يؤدي إلى ظهور حزم الأشعة.

باستخدام نماذج حاسوبية مفصلة للغاية، تمكن “كايل بارفري” من مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا من محاكاة حركة الجسيمات المشحونة بالقرب من حافة الثقب الأسود التي تؤدي إلى نشوء حقول مغناطيسية ملتوية ودائرية، كما أفاد الباحثون في الثالث والعشرين من يناير -في مجلة دورية Physical Review Letters- كما وأدرج العلماء معلومات من النظرية النسبية لألبرت أينشتاين إلى نموذج هذه الجسيمات التي تطير في مدارات خاصة.

يتم ضبط هذه المدارات بطريقة دقيقة جدًا، بحيث أنه عند وقوع إحدى الجزيئات من الثنائي في الثقب الأسود، فسوف يقوم شريكه بدفع نفسه بعيدًا بسرعة فائقة باستخدام الطاقة “الهاربة” من الثقب الأسود نفسه.

وقال تشيخوفسكوي “إن أي شيء، حتى كيس من القمامة، يمكن إطلاقه من مركبة فضائية على أحد هذه المدارات، وسيمنح السفينة دفعة قوية من الطاقة”.

وستساعد الطرق الحسابية الجديدة الباحثين على دراسة أفضل للتيار الكهربائي المكثف بالقرب من حافة ثقب أسود، والتي يمكن أن تكون مرتبطة بالأشعة السينية وأشعة جاما التي تظهر في الحزم، حسبما قال بارفري لـ Live Science.

بعد ذلك، يريد الفريق أن يقوم بشكل أكثر واقعية بتشكيل عملية توليد أزواج الجسيمات المشحونة وذلك سيسمح لعلماء الفلك بالتنبؤ بشكل أفضل عن خصائص الحزم البلازمية.

ويقول برفري إن هذه النتائج ستساعد العلماء على تفسير النتائج من خلال تلسكوبي “Event Horizon” و “GRAVITY” اللذان يهدفان في الوقت الحالي لتصوير الظل على المادة المحيطة بالثقب الأسود الهائل في قلب مجرة درب التبانة.

المقالة/موقع المحطة. /حقوق الصورة: © Brian Christensen/Stocktrek Images.